ابن قيم الجوزية
647
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
والالتجاء إليه ، والاستعاذة به من شر حاسد النعمة . فهو مستعيذ بولي النعم وموليها . كأنه يقول : يا من أولاني نعمته وأسداها إليّ أنا عائذ بك من شر من يريد أن يستلبها مني ، ويزيلها عني . وهو حسب من توكل عليه ، وكافى من لجأ إليه ، وهو الذي يؤمن خوف الخائف ، ويجير المستعير . وهو نعم المولى ونعم النصير . فمن تولاه واستنصر به ، وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه ، تولاه وحفظه وحرسه وصانه . ومن خافه واتقاه أمّنه مما يخاف ويحذر . وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع 65 : 2 ، 3 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ . وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ فلا تستبطئ نصره ورزقه وعافيته . فإن اللّه بالغ أمره . وقد جعل اللّه لكل شيء قدرا . لا يتقدم عنه ولا يتأخر . ومن لم يخفه أخافه من كل شيء ، وما خاف أحد غير اللّه إلا لنقص خوفه من اللّه . قال تعالى : 16 : 98 ، 99 فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ وقال : 3 : 175 إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ . فَلا تَخافُوهُمْ ، وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي يخوفكم بأوليائه ، ويعظمهم في صدوركم . فلا تخافوهم ، وأفردوني بالمخافة أكفكم إياهم . فصل ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب . أحدها : التعوذ باللّه من شره ، والتحصن به واللجأ إليه . وهو المقصود بهذه السورة ، واللّه تعالى سميع لاستعاذته ، عليم بما يستعيذ منه ، والسمع هنا المراد به : سمع الإجابة ، لا السمع العام . فهو مثل قوله : « سمع الله لمن حمده » وقول الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم : 14 : 39 إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ ومرة يقرنه بالعلم ، ومرة بالبصر ، لاقتضاء حال المستعيذ ذلك . فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن اللّه يراه ، ويعلم كيده وشره . فأخبر اللّه تعالى هذا المستعيذ